فصل في ذكر طرف من دلائل ابي الحسن الهادي عليه السلام واخباره وبراهينه وبيناته
روى الطبرسي عن ابن عياش بسنده عن ابي هاشم الجعفري، قال : كنت بالمدينة حين مر بها بغا(1) ايام الواثق في طلب الاعراب، فقال ابو الحسن (عليه السلام) : اخرجوا بنا حتى ننظر الى تعبئة هذا التركي، فخرجنا فوقفنا فمرت بنا تعبئته، فمر بنا تركي فكلمه ابو الحسن (عليه السلام) بالتركية فنزل عن فرسه فقبل حافر دابته، قال فحلفت التركي وقلت له : ما قال لك الرجل ؟ قال هذا نبي ؟ قلت ليس هذا بنبي، قال دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد الترك، ما علمه احد الى الساعة.
وعنه ايضاً عن ابي هاشم الجعفري، قال : دخلت على ابي الحسن (عليه السلام) فكلمني بالهندية، فلم احسن ان ارد عليه، وكان بين يديه ركوة ملئت حصىً، فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصها ملياً ثم رمى بها اليَّ فوضعتها في فمي، فواللّه ما برحت من عنده حتى تكلمت بثلاثة وسبعين لساناً اولها الهندية.
وروى الشيخ عن كافور الخادم قال : قال لي الإِمام علي بن محمد (عليهما السلام)، اترك لي السطل الفلاني في الموضع الفلاني لأتطهَّر منه للصلاة، وانفذني في حاجة، وقال اذا عدت فافعل ذلك ليكون معدّاً اذا تاهبت للصلاة، واستلقى (عليه السلام) لينام، ونسيت ما قال لي، وكانت ليلة باردة فأحسست به وقد قام الى الصلاة، وذكرت انني لم اترك السطل، فبعدت عن الموضع خوفاً من لومه وتألمت له حيث يشقى بطلب
___________________________
(1) بغا : اسم لقائدين كبيرين من قواد الترك في سلطنة بني العباس اولهما مشهور ببغا الكبير والثاني بالشرابي وهو من الذين هجموا على المتوكل وقتلوه.
228
الإناء فناداني نداء مغضب ، فقلت إنا للّه ايش (1) عذري ان اقول نسيت مثل هذا ، و لم اجد بداً من اجابته فجئت مرعوباً، فقال: يا ويلك اما عرفت رسمي انني لا اتطهر الا بماء بارد فسخنت لي ماء فتركته في السطل، فقلت و اللّه يا سيدي ما تركت السطل ولا الماء، قال الحمد للّه واللّه لا تركنا رخصته و لا رددنا منحه، الحمد للّه الذي جعلنا من اهل طاعته، ووفقنا للعون على عبادته، ان النبي (صلى اللّه عليه و آله وسلم) يقول: ان اللّه يغضب على من لا يقبل رخصته .
الشيخ الصدوق عن ابي هاشم الجعفري: قال اصابتني ضيقة شديدة، فصرت الى ابي الحسن بن علي بن محمد (عليه السلام ) فاذن لي ، فلما جلست قال: يا أبا هاشم أي نعم اللّه عز وجل عليك تريد ان تؤدي شكرها؟ قال ابو هاشم فوجمت فلم ادر ما اقول له، فابتدأ (عليه السلام) فقال: رزقك الايمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فاعانتك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل، يا ابا هاشم انما ابتدأتك بهذا لأني ظننت انك تريد ان تشكو لي من فعل بك هذا، و قد امرت لك بمئة دينار فخذها.
الطبرسي عن محمد بن الحسن الاشتر العلوي: قال كنت مع ابي على باب المتوكل وانا صبّي في جمع من الناس ما بين طالبي الى عباسي و جعفري، و نحن وقوف اذ جاء ابو الحسن (عليه السلام) ترجل الناس كلهم حتى دخل، فقال بعضهم لبعض لِمَ نترجل لهذا الغلام؟ وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا ولا باسنِّنا، والله لا ترجلنا له، فقال ابو هاشم الجعفري والله لتترجلن له صغرة اذا رأيتموه، فما هو الا ان اقبل وبصروا به حتى ترجل له الناس كلهم فقال لهم ابو هاشم اليس زعمتم انكم لا تترجلون له فقالوا له واللّه ما ملكنا انفسنا حتى ترجلنا.
وروي ان ابا هاشم شكا الى مولانا ابي الحسن علي بن محمد (عليه السلام) ما يلقى من الشوق اليه اذا انحدر من عنده الى بغداد، وقال له:
_________________
(1) أي ايُّ شيء (منه).
229
يا سيدي ادع اللّه لي فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه ، فقال قواك اللّه يا ابا هاشم وقوى برذونك، قال فكان ابو هاشم يصلّي الفجر ببغداد ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سُرَّ من رأى ويعود من يومه الى بغداد اذا شاء على ذلك البرذون بعينه، فكان هذا من اعجب الدلائل التي شوهدت.
اقول: ابو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب (عليه السلام) البغدادي الثقة الجليل الذي ادرك الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر عليهم السلام). وقد اشرنا اليه عند ولادة الصادق (عليه السلام)، وكان عظيم المنزلة عندهم (عليهم السلام). وقد روى عنهم كلهم، وله اخبار ومسائل، وله شعر جيد فيهم، ومن شعره في ابي الحسن الهادي (عليه السلام) وقد اعتل:
مادت(1) الأرض بي وآدت(2) فؤادي*** واعترتني موارد العرواء
حين قيل الإِمام نضو(3) عليل*** قلت نفسي فدته كل الفداء
مرض الدين لاعتلالك واعت*** ل وغارت(4) له نجوم السماء
عجباً ان منيت بالداء والسق*** م وانت الامام حسم الداء
انت آسي(5) الادواء(6) في الدين*** والدنيا ومحيي الأموات والاحياء
القطب الراوندي عن جماعة من اهل الصفهان، قالوا: كان باصفهان رجل يقال له عبد الرحمان وكان شيعياً، قيل له ما السبب الذي وجب عليك القول بامامة علي النقي (عليه السلام) دون غيره من الزمان؟ قال شاهدت ما اوجب ذلك عليَّ وهو أنّي كنت رجلاً فقيراً وكان لي لسان وجرأة فأخرجني
_________________________
(1) مادت أي اضطربت (منه) (2) اد ت أي ثقلت (منه).
(3) نضو يعني مقلّ هزيل (منه). (4) أي انخسفت.
(5) يعني طبيب وجراح (منه).
(6) بفتح الهمزة جمع داء وبالكسر: مصاحبة المريض.
230
اهل اصفهان سنة من السنين (فخرجت خ) مع قوم آخرين الى باب المتوكل متظلمين، فكنا بباب المتوكل يوماً اذ خرج الأمر باحضار علي بن محمد بن الرضا (عليه السلام)، فقلت لبعض من حضر من هذا الرجل الذي قد امر باحضاره؟ فقيل هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قال ويقدَّر ان المتوكِّل يحضره للقتل، فقلت لا ابرح من ها هنا حتى انظر الى هذا الرجل، أيّ رجل هو، قال فأقبل راكباً على فرس وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون اليه، فلما رأيته وقع حبه في قلبي، فجعلت ادعو له في نفسي بان يدفع اللّه عنه شر المتوكل، فاقبل يسير بين الناس وهو ينظر على عرف(1) دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة وانا اكرر في نفسي الدعاء له، فلما صار بازائي اقبل بوجهه اليَّ (علي خ د ) وقال: قد استجاب اللّه دعاءك وطوَّل عمرك وكثر مالك وولدك، قال فارتعدت من هيبتته ووقعت بين اصحابي فسألوني وهم يقولون ما شأنك؟ فقلت خيراً ولم اخبر بذلك مخلوقاً، فانصرفنا بعد ذلك الى اصفهان، ففتح اللّه عليّ بدعائه وجوهاً من المال حتى انا اليوم أغلق بابي على ما قيمته الف الف درهم سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الاولاد، وقد بلغت الآن من عمري نيفاً و سبعين سنة، وانا اقول بامامة الرجل على الذي علم ما في قلبي واستجاب اللّه دعاءه في امري.
وروي عن هبة اللّه بن ابي منصور الموصولي انه قال: كان بديار ربيعة كاتب نصراني وكان من اهل كفر توثا(2) يسمى يوسف بن يعقوب وكان بينه وبين والدي صداقة، قال: فوافانا فنزل عند والدي، فقلت (فقال د) له ما شأنك قدمت في هذا الوقت، قال دعيت الى حضرة المتوكل ولا ادري ما
________________________
(1) أي الشعر النابت علي مقدم عتق الفرس.
(2) كفر توثا: قرية كبيرة من اعمال الجزيرة بينها وبين دارا خمسة فراسخ وكفر توثا ايضاً من قرى فلسطين. والجزيرة اسم للبلاد التي بين دجلة والفرات من امهات مدنها الموصل وحران ونصيبين وآمد.
231
يراد مني الا أنّي اشتريت نفسي من اللّه بمئة دينار قد حملتها لعلي بن محمد بن الرضا (عليهم
السلام) معي، فقال له والدي: قد وفقت في هذا، قال: وخرج الى حضرة المتوكل وانصرف الينا بعد ايام قلائل فرحاً مستبشراً، فقال له والدي: حدثني حديثك، قال صرت الى سر من رأى وما دخلتها قط، فنزلت في واد وقلت احب ان اوصل المئة الدينار الى ابن الرضا (عليه السلام) قبل مصيري الى باب المتوكل وقبل ان يعرف احد قدومي، قال فعرفت ان المتوكل قد منعه من الركوب وانه ملازم لداره، فقلت كيف اصنع؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضا (عليه السلام)؟ لا آمن ان يبدر بي فيكون ذلك زيادة فيما احاذره، قال: ففكرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي ان اركب حماري واخرج في البلد ولا امنعه من حيث يذهب لعلي اقف على معرفة داره من غير ان أسأل احداً، قال فجعلت الدنانير في كاغذة وجعلتها في كمي وركبت، فكان الحمار يتخرق الشوارع والاسواق يمر حيث يشاء الى ان صرت الى باب دار فوقف الحمار، فجهدت ان يزول فلم يزل، فقلت للغلام سل لمن هذه الدار، فقيل هذه دار ابن الرضا (عليه السلام)، فقلت: اللّه اكبر دلالة مقنعة، قال واذا خادم اسود قد خرج فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟ قلت نعم، قال انزل، فنزلت فاقعدني في الدهليز فدخل، فقلت في نفسي: هذه دلالة اخرى، من اين عرف هذا الغلام اسميُ وليس في هذا البلد من يعرفني ولا دخلته قط، فخرج الخادم فقال مئة دينار التي في كمك في الكاغذة هاتها، فناولته اياها، قلت وهذه ثالثة، ثم رجع اليَّ، و قال: ادخل فدخلت اليه، وهو في مجلسه وحده فقال يا يوسف ما ان لك؟ فقلت يا مولاي قد بان لي من البرهان ما فيه كفاية لمن اكتفى، فقال هيهات انك لا تسلم ولكن سيسلم ولدك فلان وهو من شيعتنا، يا يوسف ان اقواما يزعمون ان ولايتنا لا تنفع امثالكم، كذبوا، واللّه انها لتنفع امثالك، امض فيما وافيت له فانك سترى ما تحب وسيولد لك ولد مبارك، قال فمضيت الى باب المتوكل فنلت كل ما اردت فانصرفت، قال هبة اللّه: فلقيت ابنه بعد هذا (يعني بعد موت والده) وهو مسلم حسن
232
التشيع، فاخبرني ان اباه مات على النصرانية وانه اسلم بعد موت ابيه، و كان يقول انا بشارة
مولاي (عليه السلام).
روى السيد بن طاوس في امان الاخطار عن ابي محمد القاسم بن العلا، قال: حدثنا خادم لعلي بن محمد (عليه السلام) قال استأذنته في الزيارة الى طوس، فقال لي: يكون معك خاتم فصه عقيق اصفر عليه ما شاء اللّه لا قوة الا باللّه استغفر اللّه وعلي الجانب الآخر محمد وعليّ فانه امان من القطع واتم للسلامة واصون لدينك، قال: فخرجت واخذت خاتماً على الصفة التي امرني بها ثم رجعت اليه، فقال يا صافي قلت لبيك يا سيدي، قال ليكن معك خاتم آخر فيروزجفانه يلقاك في طريقك اسد بين طوس و نيسابور فيمنع القافلة من المسير فتقدم اليه وأره الخاتم وقل له: مولاي يقول لك تنح عن الطريق، ثم قال ليكن نقشه اللّه الملك وعلى الجانب الآخر الملك للّه الواحد القهار فأنه خاتم امير المؤمنين علي (عليه السلام) كان عليه: اللّه الملك، فلما ولي الخلافة نقش على خاتمه الملك للّه الواحد القهار و كان فصه فيروزج وهو امان من السباع خاصة وظفر في الحروب، قال الخادم فخرجت في سفري فلقيني واللّه السبع ففعلت ما امرت ورجعت وحدثته، فقال لي: بقيت عليك خصلة لم تحدثني بها ان شئت حدثتك بها، فقلت يا سيدي لعلي نسيتها، فقال: نعم، بت ليلة بطوس عند القبر. فصار الى القبر قوم من الجن لزيارته فنظروا الى الفص في يدك فقرأوا نقشه فأخذوه من يدك وصاروا الى عليل لهم وغسلوا الخاتم بالماء وسقوه ذلك الماء فبرئ وردوا الخاتم اليك، وكان في يدك اليمنى فصيروه في يدك اليسرى، فكثر تعجبك من ذلك ولم تعرف السبب فيه، ووجدت عند رأسك حجر ياقوت فاخذته وهو معك فاحمله الى السوق فانك ستبيعه بثمانين ديناراً، فحملته الى السوق وبعته بثمانين ديناراً كما قال سيدي (منه) في الحاشية.
وعن زرارة حاجب المتوكل، قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند الي المتوكل يلعب بالحق لم ير مثله، وكان المتوكل لعاباً(1) فاراد ان يخجل علي
___________________
(1)اي كثير اللعب.
233
ابن محمد بن الرضا (عليه السلام)، فقال لذلك الرجل: ان انت اخجلته اعطيتك الف دينار ركنية قال: تقدم بان يخبز دقاق خفاف واجعلها على المائدة واقعدني