ويرى بعض المعتزلة وأكثر الجمهور من السنة أن أبا طالب مات على غير الاسلام (2) وأن نصرته وحمايته للنبي كانت بسبب القرابة العائلية، ومن قبيل النخوة والقبلية، ويستشهدون لذلك ـ ضمن ما يستشهدون به له:
1 ـ بأبيات كثيرة من شعره تؤيدهم فيما ذهبوا اليه، ومنها:
____________
(1) شرح النهج: 14/68.
(2) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: 14/66.
قوله:
فوالله، لولا أن أجيىء بسبة *تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا أتبعناه على كل حالة *من الدهر جدا غير قول التنازل (1)
وقوله:
لولا الملامة أو حذارى سبة *لو جدتني سحا بذاك مبينا (2)
ويلاحظ على هذين القولين أنه، يجد الحرج في الاعلان عن، اسلامه، ولكنه يؤكد بهما حقيقة ايمانه. ومن ثم كيف يقال: أنه مات على ما كان عليه قبل الإسلام؟
2 ـ وبما رواه ابن اسحاق من أنه صلى الله عليه وآله وسلم طمع في اسلام أبي طالب لما رأى منه قبل وفاته،
____________
(1) سيرة ابن هشام: 1/180.
(2) ابن أبي الحديد ـ شرح النهج: 14/55.
فجعل يقول له: ((أي عم، قلها ـ أي كلمة التوحيد ـ استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة، فأجابه أبو طالب: يا ابن أخي، والله ـ لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أنني انما قلتها فزعا من الموت، لقلتها، ولا أقولها الا لأسرك بها (1)، فلما تقارب الموت من أبي طالب، نظر العباس اليه فوجده يحرك شفتيه، فأصغى اليه بأذنيه ثم قال: يا ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم أسمع)) (2). فهو هنا مؤمن، ولكنه يخاف ـ من اعلان اسلامه ـ السبة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى بني أبيه.
ولعمري كيف يمكن أن يكون اسلام أبي طالب سبة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو نبي الاسلام، الداعي اليه، متحملا من الايذاء في سبيله ما لا قبل لغيره به، اذا سلمنا، جدلا، أنه يكون سبة على بني أبيه؟ بل هل يدعو النبي
____________
(1) سيرة ابن هشام: 1/418.
(2) المصدر نفسه: 1/418.
الى ما فيه سبة عليه؟ وكيف يتصور أن يكون اسلام أبي طالب على بني أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حينئذ سبة، وقد كان علي وجعفر وعمهما حمزة، كلهم في ذلك الوقت مسلمين فعلا بصورة علنية؟
على أنه كيف يتصور أن يهتم العباس بأن يتابع شفتي أبي طالب، حينئذ، ويتسمع اليه بأذنيه ـ ليتأكد مما يقول في شأن هذا الذي أمره به النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهو لما يعرف عنه الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أنه ظل على موقفه من الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أنه ظل على موقفه من الإسلام حتى شهد بدرا في صفوف المشتركين، وكان من أسراها؟
وحينئذ كيف يتصور اذا كان اسلام أبي طالب سبة على بني أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أن يحقق العباس هذه السبة، فيقول للنبي: ((يا ابن أخي، لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها))؟ وكيف يتصور ـ اذا كان ذلك قد حدث فعلا ـ أن يقول النبي صلى الله عليه وآله
وسلم: ((لم أسمع))، مع أنه هو الذي أمره أن يقولها، وأخبره عمه بنطقه بها؟
3 ـ وبما روي عن ابن عباس في تفسيره لقول الله تعالى: ((وهم ينهون عنه، وينأون عنه (1) أنه قال: أنزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين عن أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعد عما جاء به)) (2).
فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن ابن عباس نفسه من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجو لأبي طالب كل الخير من ربه؟ لابد أن احدى الروايتين مكذوبة (3) على ابن عباس.
4 ـ وبما روي أن عليا عليه السلام جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين مات أبو طالب ـ فقال: ان عمك الضال قد مات، فقال
____________
(1) الأنعام: 26.
(2) أسباب النزول ص144 للواحدي.
(3) مما يشير الى أن المقام دخله الكذب والوضع وناهيك بما في هذا من اثارة للشك والريبة من الرواية.
اذهب فغسله، وكفنه، وواره (1) فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن الامام علي نفسه من أنا أبا طالب ما مات حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه الرضا؟ واذن فلابد أن احدى الروايتين مكذوبة أيضا على علي عليه السلام.
ولو سلمنا جدلا، أن أبا طالب لم يعلن اسلامه قبل مماته، فهل ينكر أحد أنه لم يدع وسيلة لنصرة النبي وحماية دعوته إلا وأتبعها؟
وهل من كان هذا شأنه يستحق من ابنه المسلم، أن يقول عنه ـ حين مماته ـ لرسول الله أن عمك الضال قد مات؟
أفلا كان يكفيه، وهو ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمنشأ على أخلاق الإسلام وعفة اللسان ـ أن يقول، حينئذ: ان عمك قد مات، دون أن يصفه بالضلال؟
____________
(1) شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني: 1/153.
وهل هذا من بر الوالدين الذي نزل به القرآن من مثل قول الله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفا، واتبع سبيل من أناب الي) (1).
وعلى ما تقدم كله، نتساءل:
الى أي مدى يمكن اعتبار ما نسب الى أبي طالب من الشعر ـ على تعارضه ـ دليلا على أنه أسلم بالفعل أو لم يسلم؟
والى أي مدى يمكن اعتبار الروايات التي استعرضناها ـ على تعارضها أيضا ـ دليلا لهذا الفريق أو ذاك؟
لا شك أن النظرة الملية الى الظروف التي أوحت بهذا الشعر أو ذاك وبهذه الرواية أو تلك، والي البيئة النفسية، التي أنتجت كلا منهما، والى التيارات السياسية التي تقاذفتهما سنين طويلة عبر قرون زاخرة بالتعصب المذهبي الذي فرض نفسه على الأفكار والآراء على صعيد العالم
____________
(1) لقمان: 15.

***
الخصائص الحربيّة | 
|
ما ذكرناه في هذا الفصل إنّما هو غيض من فيض من خصائص هذا الشجاع الذي لا شبيه له والبطل الذي لا نظير له، الغالب غير المغلوب عليّ بن أبيطالب
(عليه السلام) .
نعم ذكرنا في فصول الكتاب المختلفة لمحات من شجاعته في الحروب، وقتاله الأعداء بنفسه في أشدّ الحروب وأعسر الساعات، ومبارزته للأبطال ومقارعته للشجعان و...، هذا من جانب. وسعيه من جانب آخر في إخماد نار الحرب، ومواعظه المفعمة بالعطف والحنان، وإتمام الحجج على الأعداء، وعدم شروعه بالحرب، وشهامته مع الأعداء، ومراعاة حال الهاربين والمجروحين، إلى غير ذلك من خصائصه(عليه السلام) في الحروب.
راجع: القسم الثاني: الإمام عليّ مع النبيّ .
القسم السادس: حروب الإمام عليّ .
4752 - رسولاللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) : عليّ أشجع الناس قلباً(1).
4753 - اُسد الغابة عن سعد: لقد رأيته-يعني عليّاً-يخطِر(2) بالسيف هام المشركين، يقول:
سنحنح الليل كأنّي جنّي(3)(4)
4754 - الإمام عليّ(عليه السلام) : كأنّي بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبيطالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران، ومنازلة الشجعان؛ ألا وإن الشجرة البرّيّة أصلب عوداً، والرواتع الخضرة أرقّ جلوداً، والنابِتاتِ العِذْيَةَ(5) أقوى وقوداً وأبطأ خموداً. وأنا من رسولاللَّه كالضوء من الضوء والذراع من العضد.
واللَّه، لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها، ولو أمكنت الفرصُ من رقابها لسارعت إليها، وسأجهَد في أن اُطهّر الأرض من هذا الشخص المعكوس، والجسم المركوس، حتى تخرج المَدَرَة(6) من بين حب الحصيد(7).
4755 - عنه(عليه السلام) : إنّي واللَّه لو لقيتهم واحداً وهم طِلاع(8)الأرض كلّها ما باليتُ، ولا استوحشت(9).
4756 - عنه(عليه السلام) -حين بلغه خبر الناكثين ببيعته-: من العجب بَعثُهم إليّ أن أبرزَ للطعان، وأن أصبرَ للجلاد! هبلتهم الهَبُول! لقد كنت وما اُهدَّد بالحرب، ولا اُرهَب بالضرب(10).
4757 - الإمام الصادق(عليه السلام)-:حدّثتني امرأة منّا قالت: رأيت الأشعث بن قيس دخل على عليّ(عليه السلام) ، فأغلظ له عليّ، فعرض له الأشعث بأن يفتك به، فقال له عليّ(عليه السلام):أبالموت تهدّدني!! فوَاللَّه ما اُبالي وقعت على الموت أو وقع الموت عليَ(11).
4758 - الإمام عليّ(عليه السلام) -في خطبته المسمّاة بالقاصعة-: أنا وضعتُ في الصِّغَر بكَلاكل(12) العرب، وكسرتُ نواجم قرون ربيعة ومضر(13).
4759 - التوحيد: قيل لأميرالمؤمنين(عليه السلام)لمّا أراد قتال الخوارج: لو احترزتَ ياأميرالمؤمنين. فقال(عليه السلام) :
أيّ يوميَّ من الموت أفِرّ